فصل: سورة النمل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 سورة النمل

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 6‏)‏

{‏ طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين ‏.‏ هدى وبشرى للمؤمنين ‏.‏ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون ‏.‏ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ‏.‏ أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون ‏.‏ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ‏}

قد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تلك آيات‏}‏ أي هذه آيات ‏{‏القرآن وكتاب مبين‏}‏ أي بيَّن واضح، ‏{‏هدى وبشرى للمؤمنين‏}‏ أي إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن، لمن آمن به واتبعه وصدقه وعمل بما فيه، وأقام الصلاة

المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وأيقن بالدار الآخرة، والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا‏}‏، ولهذا قال تعالى ههنا‏:‏ ‏{‏إن الذين لا يؤمنون بالآخرة‏}‏ أي يكذبون بها ويستبعدون وقوعها، ‏{‏زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون‏}‏ أي حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم، فهم يتيهون في ضلالهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة‏}‏ الآية، ‏{‏أولئك الذين لهم سوء العذاب‏}‏ أي في الدنيا والآخرة ‏{‏وهم في الآخرة هم الأخسرون‏}‏ أي ليس يخسر سواهم من أهل المحشر، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم‏}‏ أي ‏{‏وإنك‏}‏ يا محمد ‏{‏لتلقى‏}‏ أي لتأخذ ‏{‏القرآن من لدن حكيم عليم‏}‏ أي من عند حكيم عليم أي حكيم في أمره ونهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ‏}‏

 الآية رقم ‏(‏7 ‏:‏ 14‏)‏

{‏ إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون ‏.‏ فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ‏.‏ يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ‏.‏ وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ‏.‏ إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم ‏.‏ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين ‏.‏ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ‏.‏ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ‏}

يقول تعالى لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم مذكراً له ما كان من أمر موسى عليه السلام، كيف اصطفاه اللّه وكلمه وناجاه، وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه فجحدوا بها وكفروا، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إذ قال موسى لأهله‏}‏ أي اذكر حين سار موسى بأهله فأضل الطريق وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور ناراً، أي رأى ناراً تأجج وتضطرم، فقال‏:‏ ‏{‏لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر‏}‏ أي عن الطريق، ‏{‏أو آتيكم منها بشهاب قبس لعلكم تصطلون‏}‏ أي تستدفئون به وكان كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نوراً عظيماً، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها‏}‏ أي فلما أتاها ورأى منظراً هائلاً عظيماً، حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقداً، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء، قال ابن عباس وغيره‏:‏ لم تكن ناراً وإنما كانت نوراً يتوهج، وفي رواية عنه نور رب العالمين، فوقف موسى متعجباً مما رأى ‏{‏فنودي أن بورك من في النار‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ تقدس ‏{‏ومن حولها‏}‏ أي من الملائكة، روى ابن أبي حاتم عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل‏)‏، زاد المسعودي‏:‏ ‏(‏وحجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدرك بصره‏)‏ ثم قرأ أبو عبيدة ‏{‏أن بورك من في النار ومن حولها‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري وأصل الحديث في صحيح مسلم‏"‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسبحان اللّه رب العالمين‏}‏ أي الذي يفعل ما يشاء ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسماوات، بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات‏.‏وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا موسى إنه أنا اللّه العزيز الحكيم‏}‏ أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه، العزيز الذي عزَّ كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أقواله وأفعاله، ثم أمره أن يلقي عصاه من يده، ليظهر له دليلاً واضحاً على أنه الفاعل المختار القادر على كل شيء، فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة في غاية الكبر وسرعة الحركة مع ذلك، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلما رآها تهتز كأنها جان‏}‏ والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطراباً، فلما عاين موسى ذلك ‏{‏ولى مدبرا ولم يعقب‏}‏ أي لم يلتفت من شدة فرقه ‏{‏يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون‏}‏ أي لا تخف مما ترى فإني أريد أن أصطفيك رسولا، وأجعلك نبياً وجيهاً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم‏}‏ هذا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سيء، ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب فإن اللّه يتوب عليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء‏}‏ هذه آية أخرى ودليل باهر على قدرة اللّه الفاعل المختار وصدق من جعل له معجزة، وذلك أن اللّه تعالى أمره أن يدخل يده في جيب درعه، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة قمر، لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في تسع آيات‏}‏ أي هاتان ثنتان من تسع آيات، أؤيدك بهن وأجعلهن برهاناً لك إلى فرعون وقومه ‏{‏إنهم كانوا قوما فاسقين‏}‏ وهذه هي الآيات التسع التي قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات‏}‏ كما تقدم تقرير ذلك هنالك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما جاءتهم آياتنا مبصرة‏}‏ أي بينة واضحة ظاهرة ‏{‏قالوا هذا سحر مبين‏}‏ أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند اللّه ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها ‏{‏ظلما وعلوا‏}‏، أي ظلماً من أنفسهم ‏{‏وعلوا‏}‏ أي استكباراً عن اتباع الحق، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة المفسدين‏}‏ أي انظر يا محمد كيف كان عاقبة أمرهم في إهلاك اللّه إياهم، وفحوى الخطاب، يقول‏:‏ احذروا أيها المكذبون لمحمد الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى، فإن محمداً صلى اللّه عليه وسلم أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام‏.‏

 الآية رقم ‏(‏15 ‏:‏ 19‏)‏

{‏ ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ‏.‏ وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين ‏.‏ وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ‏.‏ حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ‏.‏ فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ‏}

يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه داود وابنه سليمان عليهما السلام، من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والنبوة، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد للّه الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وورث سليمان داود‏}‏ أي في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده بين سائر أولاد داود، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏(‏نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة،‏)‏ ‏{‏وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء‏}‏ أي أخبر سليمان بنعم اللّه عليه فيما وهبه له من الملك التام والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير؛ وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضاً على اختلاف أصنافها، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء‏}‏ أي ما يحتاج إليه الملك، ‏{‏إن هذا لهو الفضل المبين‏}‏ أي الظاهر البين للّه علينا، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون‏}‏ أي وجمع لسليمان وجنوده من الجن، والإنس والطير، يعني ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة، في الإنس وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حر أظلته منه بأجنحتها، وقوله ‏{‏فهم يوزعون‏}‏ أي يكف أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته، قال مجاهد‏:‏ جعل على كل صنف وزعة لئلا يتقدموا في السير كما يفعل الملوك اليوم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إذا أتوا على واد النمل‏}‏ أي حتى إذا مر سليمان عليه السلام بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل ‏{‏قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون‏}‏ أي خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، ففهم ذلك سليمان عليه السلام منها، ‏{‏فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه‏}‏، أي ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك ‏{‏وأن أعمل صالحا ترضاه‏}‏ أي عملاً تحبه وترضاه، ‏{‏وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين‏}‏ أي إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك‏.‏ والغرض أن سليمان عليه السلام فهم قولها وتبسم ضاحكاً من ذلك وهذا أمر عظيم جداً، وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال‏:‏ خرج سليمان بن داود عليهما السلام يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رفعة قوائمها إلى السماء وهي تقول‏:‏ اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا، فقال سليمان‏:‏ ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم‏.‏ وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏قرصت نبياً من الأنبياء نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى اللّه إليه، أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبّح‏؟‏ فهلا نملة واحدة‏؟‏‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏20 ‏:‏ 21‏)‏

‏{‏ وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ‏.‏ لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ‏}‏

قال ابن عباس وغيره‏:‏ كان الهدهد مهندساً يدل سليمان عليه السلام على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان عليه السلام الجان فحفروا له ذلك المكان، حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان عليه السلام يوماً بفلاة من الأرض فتفقد الطير ليرى الهدهد فلم يره ‏{‏فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين‏}‏ حدث يوماً ابن عباس بنحو هذا وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع بن الأزرق وكان كثير الاعتراض على ابن عباس فقال له‏:‏ قف يا ابن عباس غلبت اليوم، قال‏:‏ ولم‏؟‏ قال‏:‏ إنك تخبر أن الهدهد يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ تراباً فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ فيصيده الصبي، فقال ابن عباس‏:‏ لولا أن يذهب هذا فيقول رددت على ابن عباس لما أجبته، ثم قال له‏:‏ ويحك إنه إذا نزل القدر عمي البصر وذهب الحذر، فقال له نافع‏:‏ واللّه لا أجادلك في شيء من القرآن أبداً، وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كان سليمان عليه السلام إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها من حضره إلا الهدهد ‏{‏فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين‏}‏ أخطأه بصري من الطير أم غاب فلم يحضر‏؟‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لأعذبنه عذابا شديدا‏}‏ قال ابن عباس يعني نتف ريشه، وكذا قال غير واحد من السلف إنه نتف ريشه وتركه ملقى يأكله الذر والنمل، وقوله‏:‏ ‏{‏أو لأذبحنه‏}‏ يعني قتله ‏{‏أو ليأتيني بسلطان مبين‏}‏ بعذر بين واضح، وقال سفيان بن عيينة‏:‏ لما أقدم الهدهد قالت له الطير‏:‏ ما خلفك فقد نذر سليمان دمك، فقال‏:‏ هل استثنى‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏{‏لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين‏}‏ قال‏:‏ نجوت إذاً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏22 ‏:‏ 26‏)‏

{‏ فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين ‏.‏ إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ‏.‏ وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ‏.‏ ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ‏.‏ الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏فمكث‏}‏ الهدهد ‏{‏غير بعيد‏}‏ أي غاب زماناً يسيراً ثم جاء فقال لسليمان‏:‏ ‏{‏أحطت بما لم تحط به‏}‏ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك ‏{‏وجئتك من سبأ بنبأ يقين‏}‏ أي بخبر صدق حق يقين، وسبأ هم ملوك اليمن، ثم قال‏:‏ ‏{‏إني وجدت امرأة تملكهم‏}‏ قال الحسن البصري‏:‏ وهي بلقيس نبت شراحيل ملكة سبأ، وعن قتادة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إني وجدت امرأة تملكهم‏}‏ كانت من بيت مملكة وكان أولو مشورتها ثلثمائة واثني عشر رجلاً، كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل، وكانت بأرض يقال لها مأرب على ثلاثة أميال من صنعاء، وقوله‏:‏ ‏{‏وأوتيت من كل شيء‏}‏ أي من متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن ‏{‏ولها عرش عظيم‏}‏ يعني سرير تجلس عليه عظيم هائل، مزخرف بالذهب وأنواع الجواهر واللآلئ، قال علماء التاريخ‏:‏ وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، وكان فيه ثلثمائة وستون طاقة من مشرقه، ومثلها من مغربه، وقد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة وتغرب من مقابلتها فيسجدون لها صباحاً ومساء، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون اللّه وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل‏}‏ أي عن طريق الحق ‏{‏فهم لا يهتدون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ألا يسجدوا للّه‏}‏ أي لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود للّه وحده دون ما خلق من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا للّه الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعلم كل خبيئة في السماء والأرض، وقال سعيد بن المسيب‏:‏ الخبء الماء، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ خبء السماوات والأرض ما جعل فيهما من الأرزاق، المطر من السماء والنبات من الأرض، وهذا مناسب من كلام الهدهد الذي جعل اللّه فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض وداخلها، وقوله‏:‏ ‏{‏ويعلم ما تخفون وما تعلنون‏}‏ أي يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏اللّه لا إله إلا هو رب العرش العظيم‏}‏ الذي ليس في المخلوقات أعظم منه‏.‏ ولما كان الهدهد داعياً إلى الخير، وعبادة اللّه وحده، نهى عن قتله، كما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب‏:‏ النملة والنحلة والهدهد والصرد ‏"‏أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه قال ابن كثير‏:‏ وإسناده صحيح‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏27 ‏:‏ 31‏)‏

{‏ قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ‏.‏ اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ‏.‏ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ‏.‏ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ‏.‏ ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ‏}

يقول تعالى مخبراً عن قيل سليمان للهدهد، حين أخبره عن أهل سبأ وملكهم ‏{‏قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين‏}‏ أي أصدقت في إخبارك هذا ‏{‏أم كنت من الكاذبين‏}‏ في مقالتك لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك‏؟‏ ‏{‏اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون‏}‏، وذلك أن سليمان عليه السلام كتب كتاباً إلى بلقيس وقومها، وأعطاه ذلك الهدهد فحمله وذهب إلى بلادهم، فجاء إلى قصر بلقيس فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدباً ورياسة فتحيرت مما رأت وهالها ذلك ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته ففتحت ختمه وقرأنه، فإذا فيه‏:‏ ‏{‏إنه من سليمان وإنه بسم اللّه الرحمن الرحيم * ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين‏}‏ فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ثم قالت لهم‏:‏ ‏{‏يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم‏}‏ تعني بكرمه ما رأته من عجيب أمره، كون طائر ذهب به فألقاه إليها ثم تولى عنها أدباً وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك ولا سبيل لهم إلى ذلك ثم قرأته عليهم ‏{‏إنه من سليمان وإنه بسم اللّه الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين‏}‏ فعرفوا أنه من نبي اللّه سليمان عليه السلام، وأنه لا قبل لهم به وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها‏.‏ قال العلماء‏:‏ لم يكتب أحد بسم اللّه الرحمن الرحيم قبل سليمان عليه السلام‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ألا تعلوا عليّ‏}‏ قال قتادة يقول‏:‏ لا تتجبروا علي ‏{‏وأتوني مسلمين‏}‏، وقال ابن أسلم‏:‏ لا تمتنعوا ولا تتكبروا عليّ وأتوني مسلمين، قال ابن عباس‏:‏ موحدين، وقال غيره‏:‏ مخلصين، وقال سفيان بن عيينة‏:‏ طائعين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏32 ‏:‏ 35‏)‏

{‏ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ‏.‏ قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ‏.‏ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ‏.‏ وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ‏}

لما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها وما قد نزل بها، ولهذا قالت‏:‏ ‏{‏يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون‏}‏ أي حتى تحضرون وتشيرون ‏{‏قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد‏}‏ أي منّوا عليها بعددهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا‏:‏ ‏{‏والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين‏}‏‏؟‏ أي نحن أشداء إن شئت أن تقصديه أو تحاربيه فما لنا عاقة عنه، وبعد هذا فالأمر إليك، مري فينا رأيك نمتثله ونطيعه، قال الحسن البصري‏:‏ فوضوا أمرهم إلى علجة تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا كانت هي أحزم رأياً منهم وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه وما سخر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمراً عجيباً بديعاً فقالت لهم‏:‏ إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده ويهلكنا بمن معه، ويخلص إليّ وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا؛ ولهذا قالت‏:‏ ‏{‏إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ أي إذا دخلوا بلداً عنوة أفسدوه أي خربوه، ‏{‏وجعلوا أعزة أهلها أذلة‏}‏ أي وقصدوا من فيها من الولاة والجنود فأهانوهم غاية الهوان إما بالقتل أو بالأسر، قال ابن عباس، قالت بلقيس‏:‏ ‏{‏إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة‏}‏، قال الرب عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وكذلك يفعلون‏}‏، ثم عدلت إلى المصالحة والمهادنة والمسالمة فقالت‏:‏ ‏{‏وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون‏}‏ أي سأبعث إليه بهدية تليق بمثله، وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجاً نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا، قال قتادة‏:‏ ما كان أعقلها في إسلامها وشركها، علمت أن الهدية تقع موقعاً من الناس، وقال ابن عباس‏:‏ قالت لقومها‏:‏ إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏36 ‏:‏ 37‏)‏

{‏ فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ‏.‏ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ‏}

ذكر غير واحد من المفسرين أنها بعثت إليه بهدية عظيمة، من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك، والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب، فلم ينظر سليمان إلى ما جاءوا به بالكلية ولا اعتنى به بل أعرض عنه، وقال منكراً عليهم ‏{‏أتمدونن بمال‏؟‏‏}‏ أي أتصانعونني بمال لأترككم على شركم وملككم‏؟‏ ‏{‏فما آتاني اللّه خير مما آتاكم‏}‏ أي الذي أعطاني اللّه من الملك والمال والجنود، خير مما أنتم فيه ‏{‏بل أنتم بهديتكم تفرحون‏}‏ أي أنتم الذي تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف، قال ابن عباس رضي اللّه عنه‏:‏ أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها ذلك قالوا‏:‏ ما يصنع هذا بهديتنا‏؟‏ وفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد ‏{‏ارجع إليهم‏}‏ أي بهديتهم، ‏{‏فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها‏}‏ أي لا طاقة لهم بقتالهم ‏{‏ولنخرجنهم منها أذلة‏}‏ أي ولنخرجهم من بلدتهم أذلة، ‏{‏وهم صاغرون‏}‏ أي مهانون مدحورون، فلما رجعت إليها رسلها بهديتها وبما قال سليمان سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة معظمة لسليمان ناوية متابعته في الإسلام، ولما تحقق سليمان عليه السلام قدومهم عليه ووفودهم إليه فرح بذلك وسره‏.‏

 الآية رقم ‏(‏38 ‏:‏ 40‏)‏

{‏ قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ‏.‏ قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين ‏.‏ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ‏}

قال محمد بن إسحاق‏:‏ فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت‏:‏ قد واللّه عرفت ما هذا بملك وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكابرته شيئاً، وبعثت إليه إني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك، ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات، ثم أقفلت عليه الأبواب، ثم قالت‏:‏ لمن خلفت على سطلنها احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد اللّه، ولا يرينه أحد حتى آتيك، ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده، فقال‏:‏ ‏{‏يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين‏}‏‏.‏ وقال قتادة‏:‏ لما بلغ سليمان أنها جائية وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مستراً بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق فكره أن يأخذه بعد إسلامهم، وقد علم نبي اللّه أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم ودمائهم، فقال‏:‏ ‏{‏يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين‏}‏، وهكذا قال عطاء الخراساني والسدي ‏{‏قبل أن يأتوني مسلمين‏}‏ فتحرم علي أموالهم بإسلامهم، ‏{‏قال عفريت من الجن‏}‏ أي مارد من الجن، ‏{‏أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني قبل أن تقوم من مجلسك، وقال مجاهد‏:‏ مقعدك، وقال السدي وغيره‏:‏ كان يجلس للناس للقضاء والحكومات من أول النهار إلى أن تزول الشمس، ‏{‏وإني عليه لقوي أمين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أي قوي على حمله ‏{‏أمين‏}‏ على مافيه من الجوهر، فقال سليمان عليه السلام‏:‏ أريد أعجل من ذلك، ومن ههنا يظهر أن سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهب اللّه له من الملك، وما سخر له من الجنود الذي لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها، لأن هذا خارق عظيم، أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه، هذا وقد حجبته بالإغلاق والأقفال والحفظة، فلما قال سليمان أريد أعجل من ذلك، ‏{‏قال الذي عنده علم من الكتاب‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ وهو آصف كاتب سليمان عليه السلام‏.‏

وكذا روي عن يزيد بن رومان أنه آصف بن برخياء وكان صدّيقاً يعلم الاسم الأعظم، وقال قتادة‏:‏ كان مؤمناً من الإنس واسمه آصف وكذا قال أبو صالح والضحاك وزاد قتادة‏:‏ كان مؤمناً من بني إسرائيل من بني إسرائيل، وقوله‏:‏ ‏{‏أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك‏}‏ أي ارفع بصرك وانظر فإنه لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك، وقال وهب بن منبه‏:‏ أمدد بصرك فلا يبلغ مداه حتى آتيك به، ثم قام فتوضأ ودعا اللّه تعالى، قال مجاهد‏:‏ قال يا ذا الجلال والإكرام‏.‏ وقال الزهري قال‏:‏ يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت ائتني بعرشها، قال‏:‏ فمثل بين يديه، فلما عاين سليمان وملؤه ذلك ورآه مستقراً عنده ‏{‏قال هذا من فضل ربي‏}‏ أي هذا من نعم

اللّه علي ‏{‏ليبلوني‏}‏ ليختبرني ‏{‏أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ومن كفر فإن ربي غني كريم‏}‏ أي هو غني عن العباد وعبادتهم، كريم‏:‏ أي كريم في نفسه وإن لم يعبده أحد، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى‏:‏ ‏{‏إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد‏}‏، وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه‏)‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏41 ‏:‏ 44‏)‏

{‏ قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ‏.‏ فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ‏.‏ وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين ‏.‏ قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ‏}

لما جيء سليمان عليه السلام بعرش بلقيس قبل قدومها، أمر به أن يغير بعض صفاته ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس بعرشها، فقال‏:‏ ‏{‏نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون‏}‏ قال مجاهد‏:‏ أمر به فغير ما كان فيه أحمر جعل أصفر، وما كان أصفر جعل أحمر، وما كان أخضر جعل أحمر، وغير كل شيء عن حاله، وقال عكرمة‏:‏ زادوا فيه ونقصوا ‏{‏فلما جاءت قيل أهكذا عرشك‏}‏ أي عرض عليها عرشها وقد غير ونكر فيه ونقص منه فكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ونكر، فقالت‏:‏ ‏{‏كأنه هو‏}‏ أي يشبهه ويقاربه، وهذا في غاية الذكاء والحزم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين‏}‏ قال مجاهد‏:‏ يقوله سليمان، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وصدها ما كانت تعبد من دون اللّه إنها كانت من قوم كافرين‏}‏، هذا من تمام كلام سليمان عليه السلام في قول مجاهد أي قال لسليمان ‏{‏أوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين‏}‏، وهي كانت قد صدها أي منعها من عبادة اللّه وحده ‏{‏ما كانت تعبد

من دون اللّه إنها كانت من قوم كافرين‏}‏ هذا الذي قاله مجاهد هو قول سعيد بن جبير وقد اختاره ابن جرير وابن كثير ‏.‏

قلت‏:‏ ويؤيد قول مجاهد أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح كما سيأتي، وقوله‏:‏ ‏{‏قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها‏}‏، وذلك أن سليمان عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصراً عظيماً من قوارير أي من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه، قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان‏:‏ ثم قال لها ادخلي الصرح ليريها ملكاً هو أعز من ملكها، وسلطاناً هو أعظم من سلطانها، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها ‏{‏إنه صرح ممرد من قوارير‏}‏ فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة اللّه وحده وعاتبها في عبادة الشمس من دون اللّه، قالت‏:‏ ‏{‏رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان للّه رب العالمين‏}‏ فأسلمت وحسن إسلامها ‏"‏روى ابن أبي شيبة أثراً غريباً عن ابن عباس ثم قال‏:‏ ما أحسنه من حديث، وقد ضربنا صفحاً عنه لغرابته ونكارته ولأنه من الإسرائيليات، وهو كما قال ابن كثير‏:‏ منكر جداً من أوهام عطاء بن السائب عن ابن عباس‏"‏‏.‏ وأصل الصرح في كلام العرب هو القصر وكل بناء مرتفع، قال اللّه سبحانه وتعالى إخباراً عن فرعون لعنه اللّه ‏{‏ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب‏}‏ الآية، والصرح قصر في اليمن عالي البناء، والممرد المبني بناء محكماً أملس ‏{‏من قوارير‏}‏ أي زجاج، والغرض أن سليمان عليه السلام اتخذ قصراً عظيماً منيفاً من زجاج، لهذه الملكة ليريها عظمة سلطانه، وتمكنه، فلما رأت ما آتاه اللّه وجلالة ما هو فيه، وتبصرت في أمره انقادت لأمر اللّه تعالى وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، وأسلمت للّه عزَّ وجلَّ، وقالت‏:‏ ‏{‏رب إني ظلمت نفسي‏}‏ أي بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها للشمس من دون اللّه ‏{‏وأسلمت مع سليمان للّه رب العالمين‏}‏ أي متابعة لدين سليمان في عبادته للّه وحده لا شريك له، الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏45 ‏:‏ 47‏)‏

{‏ ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ‏.‏ قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون ‏.‏ قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون ‏}

يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح عليه السلام، حين بعثه اللّه إليهم فدعاهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ‏{‏فإذا هم فريقان يختصمون‏}‏ قال مجاهد‏:‏ مؤمن وكافر‏.‏ ‏{‏قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة‏}‏ أي لم تدعون بحضور العذاب ولا تطلبون من اللّه رحمته، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لولا تستغفرون اللّه لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك‏}‏ أي ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيراً، وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحداً منهم سوء إلا قال هذا من قبل صالح وأصحابه، قال مجاهد‏:‏ تشاءموا بهم، وهذا كما قال اللّه تعالى إخباراً عن قوم فرعون ‏{‏وإن تصبهم سيئة يطّيروا بموسى ومن معه‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اللّه وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك * قل كل من عند اللّه‏}‏ أي بقضائه وقدره، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم‏}‏ الآية، وقال هؤلاء‏:‏ ‏{‏اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند اللّه‏}‏ أي اللّه يجازيكم على ذلك ‏{‏بل أنتم قوم تفتنون‏}‏ قال قتادة‏:‏ تبتلون بالطاعة والمعصية، والظاهر أن المراد بقوله ‏{‏تفتنون‏}‏ أي‏:‏ تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال‏.‏

 الآية رقم ‏(‏48 ‏:‏ 53‏)‏

{‏ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ‏.‏ قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ‏.‏ ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ‏.‏ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ‏.‏ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ‏.‏ وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ‏}

يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر، وعقروا الناقة وهموا بقتل صالح أيضاً، بأن يبيتوه في أهله ليلاً فيقتلوه غيلة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به من أنهم لم يشاهدوا ذلك‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وكان في المدينة‏}‏ أي مدنية ثمود ‏{‏تسعة رهط‏}‏ أي تسعة نفر ‏{‏يفسدون في الأرض ولا يصلحون‏}‏ وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم، قال ابن عباس‏:‏ هؤلاء هم الذين عقروا الناقة أي الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم اللّه ولعنهم قال السهيلي‏:‏ ذكر النقاش التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وسماهم بأسمائهم، وذلك لا ينضبط برواية، ولا فيه كبير فائدة، غير أني أذكرهم على وجه الاجتهاد والتخمين، وهم‏:‏ مصدع بن دهر، ويقال دهم، وقدار بن سالف، وهريم، وصواب، ورياب، وراب، ودعمي، وهي، ورعين بن عمرو ، والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة كان من صفاتهم الإفساد في الأرض بكل طريق يقدرون عليها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا تقاسموا باللّه لنبيتنه وأهله‏}‏ أي تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي اللّه صالح عليه السلام من لقيه ليلاً غيلة، فكادهم اللّه وجعل الدائرة عليهم، قال مجاهد‏:‏ تقاسموا وتحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين، وقال محمد بن إسحاق‏:‏ قال هؤلاء التسعة، بعدما عقروا الناقة هلم فلنقتل صالحاً، فإن كان صادقاً عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم منشدخين وقد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح أنت قتلتهم ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم‏:‏ واللّه لا تقتلونه أبداً وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقاً فلا تزيدوا ربكم عليكم غضباً، وإن كان كاذباً فأنتم من وراء ما تريدون، فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك‏.‏ وقال ابن أبي حاتم‏:‏ لما عقروا الناقة قال لهم صالح‏:‏ ‏{‏تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب‏}‏ قالوا‏:‏ زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث، وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف أي غار هناك ليلاً فقالوا‏:‏ إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله، ففرغنا منهم، فبعث اللّه عليهم صخرة من الهضب حيالهم، فخشوا أن تشدخهم فتبادروا فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فعل بقومهم‏:‏ فعذب اللّه هؤلاء ههنا وهؤلاء ههنا وأنجى اللّه صالحاً ومن معه، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية‏}‏ أي فارغة ليس فيها أحد ‏{‏بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏54 ‏:‏ 58‏)‏

{‏ ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ‏.‏ أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون ‏.‏ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ‏.‏ فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين ‏.‏ وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ‏}

يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط عليه السلام أنه أنذر قومه نقمة اللّه بهم في فعلهم الفاحشة، التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فقال‏:‏ ‏{‏أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون‏}‏ أي يري بعضكم بعضاً وتأتون في ناديكم المنكر ‏{‏أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون‏}‏ أي لا تعرفون شيئاً لا طبعاً ولا شرعاً كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون‏}‏ ‏{‏فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل داود من قريتكم إنهم أناس يتطهرون‏}‏ أي يتحرجون من فعل ما تفعلون ومن إقراركم على صنيعكم، فأخروهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم، فعزموا على ذلك فدمر اللّه عليهم وللكافرين أمثالها، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين‏}‏ أي من الهالكين مع قومها، لأنها كانت ردءاً لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمطرنا عليهم مطرا‏}‏ أي حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فساء مطر المنذرين‏}‏ أي الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليهم الإنذار، فخالفوا الرسول وكذبوه وهموا بإخراجه من بينهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏59 ‏:‏ 60‏)‏

{‏ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون ‏.‏ أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ‏}

يقول تعالى آمراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول‏:‏ ‏{‏الحمد للّه‏}‏ أي على نعمه على عباده من النعم التي لا تعد ولا تحصى وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يسلم على عباد اللّه الذين اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من اللّه أفضل الصلاة والسلام، هكذا قال عبد الرحمن بن أسلم هم الأنبياء، قال‏:‏ وهو كقوله‏:‏ ‏{‏سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد للّه رب العالمين‏}‏، وقال الثوري والسدي‏:‏ هم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين ‏"‏وروي نحو هذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما‏"‏، ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد اللّه الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن اللّه تعالى أمر رسوله ومن اتبعه أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار، وقد روى أبو بكر البزار عن ابن عباس ‏{‏وسلام على عباده الذين اصطفى‏}‏ قال‏:‏ هم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم اصطفاهم اللّه لنبيه رضي اللّه عنهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏آلله خير أما يشركون‏}‏‏؟‏ استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع اللّه آلهة أخرى‏.‏ ثم شرع تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أم من خلق السماوات‏}‏ أي خلق تلك السماوات في ارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة، والنجوم الزاهرة، والأفلاك الدائرة، وخلق الأرض وما فيها من الجبال والأطواد والسهول والأوعار، والفيافي والقفار، والزروع والأشجار، والثمار والبحار، والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزل لكم من السماء ماء‏}‏ أي جعله رزقاً للعباد ‏{‏فأنبتنا به حدائق‏}‏ أي بساتين ‏{‏ذات بهجة‏}‏ أي منظر حسن وشكل بهي ‏{‏ما كان لكم أن تنبتوا شجرها‏}‏ أي لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به المشركون ‏{‏ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن اللّه‏}‏ ‏{‏ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن اللّه‏}‏ أي هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أإله مع اللّه‏؟‏‏}‏ أي أإله مع اللّه يعبد، وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعترفون به أيضاً أنه الخالق الرازق، ومن المفسرين من يقول‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏{‏أإله مع اللّه‏}‏ فعل هذا‏؟‏ وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون‏:‏ ليس ثَمّ أحد فعل هذا معه بل هو المتفرد به فيقال‏:‏ فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير‏؟‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق‏}‏ الآية، وقوله تعالى ههنا‏:‏ ‏{‏أمن خلق السماوات والأرض‏}‏ ‏{‏أمن‏}‏ في هذه الآيات كلها تقديره أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها‏؟‏ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر، ثم قال‏:‏ ‏{‏بل هم قوم يعدلون‏}‏ أي يجعلون للّه عدلاً ونظيراً، وهكذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه‏}‏ أي أمن هو هكذا كمن ليس كذلك‏؟‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏61‏)‏

{‏ أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏أم من جعل الأرض قرارا‏}‏ أي قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهاداً، ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك، كما قال تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏اللّه الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء‏}‏، ‏{‏وجعل خلالها أنهارا‏}‏ أي جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة، شقها في خلالها وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطاهرم، حيث ذرأهم في أرجاء الأرض، وسير لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه ‏{‏وجعل لها رواسي‏}‏ أي جبالاً شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم ‏{‏وجعل بين البحرين حاجزا‏}‏ أي جعل بين المياه العذبة والمالحة ‏{‏حاجزا‏}‏ أي مانعاً يمنعها من الاختلاط، لئلا يفسد هذا بهذا وهذا بهذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والمقصود منها أن تكون عذبة زلالا يسقى منها الحيوان والنبات والثمار، والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب، والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحاً أجاجاً لئلا يفسد الهواء بريحها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أإله مع اللّه‏}‏‏؟‏ أي فعل هذا أو يعبد على القول الأول والآخر‏؟‏ وكلاهما متلازم صحيح ‏{‏بل أكثرهم لا يعلمون‏}‏ أي في عبادتهم غيره‏.‏

 الآية رقم ‏(‏62‏)‏

{‏ أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون ‏}

ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون‏}‏، وهكذا قال ههنا‏:‏ ‏{‏أم من يجيب المضطر إذا دعاه‏}‏ أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه‏؟‏ قال الإمام أحمد عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من هجيم ‏"‏قوله عن رجل من هجيم ورد اسم الرجل في رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد وهو جابر بن سليم الهجيمي‏"‏قال‏:‏ قلت يا رسول اللّه إلام تدعو‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أدعو إلى اللّه وحده، الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك‏)‏ قال‏:‏ قلت أوصني، قال‏:‏ ‏(‏لا تسبن أحداً ولا تزهدن في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن اللّه لا يحب المخيلة‏)‏، وفي رواية أخرى لأحمد عن جابر بن سليم الهجيمي قال‏:‏ أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو محتب بشملة وقد وقع هدبها على قدميه، فقلت‏:‏ أيكم محمد رسول اللّه‏؟‏ فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت‏:‏ يا رسول اللّه أنا من أهل البادية وفيَّ حفاؤهم فأوصني، قال‏:‏ ‏(‏لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن اللّه لا يحب المخيلة، ولا تسبن أحداً‏)‏ قال‏:‏ فما سببت بعده أحداً ولا شاة ولا بعيراً‏.‏ وقال وهب بن منبه‏:‏ قرأت في الكتاب الأول‏:‏ إن اللّه تعالى يقول‏:‏ بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السماوات بمن فيهن، والأرض بمن فيها، فإني أجعل

له من بين ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي، فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه‏.‏

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي، قال هذا الرجل‏:‏ كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة، فقال لي‏:‏ خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت‏:‏ لا خبرة لي فيها، فقال‏:‏ بل هي أقرب فسلكناها فانتهيا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة، فقال لي‏:‏ أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكيناً معه وقصدني ففرت من بين يديه وتبعني، فناشدته اللّه، وقلت‏:‏ خذ البغل بما عليه، فقال‏:‏ هو لي، وإنما أريد قتلك، فخوفته اللّه والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه، وقلت إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال‏:‏ عجل فقمت أصلي، فأرتج عليّ القرآن، فلم يحضرني منه حرف واحد فبقيت واقفاً متحيراً، وهو يقول‏:‏ هيه افرغ، فأجرى اللّه على لساني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء‏}‏ فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة، فرمى بها الرجل، فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً، فتعلقت بالفارس، وقلت‏:‏ باللّه من أنت‏؟‏ فقال‏:‏ أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، قال‏:‏ فأخذت البغل والحمل ورجعت سالماً ‏"‏أخرج القصة ابن عساكر وذكر قصة أخرى مشابهة تدل على إكرام اللّه لأوليائه وعباده الصالحين قال صاحب الجوهرة‏:‏

واثبتن للأولياء الكرامة * ومن نفاها فانبذن كلامه‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويجعلكم خلفاء الأرض‏}‏ أي يخلف قرناً لقرن قبلهم وخلفاً لسلف، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات‏}‏، وهكذا هذه الآية‏:‏ ‏{‏ويجعلكم خلفاء الأرض‏}‏ أي أمة بعد أمة، وجيلاً بعد جيل، وقوماً بعد قوم، ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين، كما خلق آدم من تراب، ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض، ولكن لا يميت أحداً حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد لكانت تضيق عنهم الأرض وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم ويتضرر بعضهم ببعض، ولكت اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة ويجعلهم أمماً بعد أمم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البرية كما قدر تبارك وتعالى، وكما أحصاهم وعدهم عداً، ثم يقيم القيامة ويوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع اللّه‏}‏ أي يقدر على ذلك، أو أإله مع اللّه بعد هذا‏!‏ وقد علم أن اللّه هو المتفرد بفعل ذلك وحده لا شريك له‏؟‏ ‏{‏قليلا ما تذكرون‏}‏ أي ما اقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏63‏)‏

{‏ أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر‏}‏ أي بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وعلامات وبالنجم هم يهتدون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر‏}‏ الآية، ‏{‏ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته‏}‏ أي بين يدي السحاب الذي فيه مطر يغيث اللّه به عباده المجدبين القنطين ‏{‏أإله مع اللّه‏؟‏ تعالى اللّه عما يشركون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏64‏)‏

{‏ أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ‏}

أي هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏إنه هو يبدئ ويعيد‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه‏}‏، ‏{‏ومن يرزقكم من السماء والأرض‏}‏ أي بما ينزل من مطر السماء وينبت من بركات الأرض، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها‏}‏، فهو تبارك وتعالى ينزل من السماء ماء مباركاً، فيسلكه ينابيع في الأرض، ثم يخرج به أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان شتى ‏{‏كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى‏}‏، ولهذا لما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أإله مع اللّه‏}‏ أي فعل هذا وعلى القول الآخر بعد هذا ‏{‏قل هاتوا برهانكم‏}‏ على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ في ذلك، وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يدع مع اللّه إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ‏}

 الآية رقم ‏(‏65 ‏:‏ 66‏)‏

{‏ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ‏.‏ بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون ‏}

يقول تعالى آمراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول معلماً لجميع الخلق أنه لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا اللّه‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا اللّه‏}‏ استثناء منقطع أي لا يعلم أحد ذلك إلا اللّه عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه عنده علم الساعة وينزل الغيث‏}‏ إلى آخر السورة، والآيات في هذا كثيرة‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يشعرون أيان يبعثون‏}‏ أي وما يشعر الخلائق الساكنون في السماوات والأرض بوقت الساعة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة‏}‏ أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض، وقالت عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ من زعم أنه يعلم - يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم - ما يكون في غد فقد أعظم على اللّه الفرية، لأن اللّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا اللّه‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم‏"‏، وقال قتادة‏:‏ إنما جعل اللّه هذه النجوم لثلاث خصال‏:‏ جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن أناساً جهلة بأمر اللّه قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة‏:‏ من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا‏.‏ ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن والدميم، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى اللّه تعالى أنه ‏{‏لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا اللّه وما يشعرون أيان يبعثون‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم أيضاً قال ابن كثير‏:‏ وهو كلام جليل متين صحيح‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها‏}‏ أي انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها‏.‏ قال ابن عباس ‏{‏بل ادّارك علمهم‏}‏ أي غاب، وقال قتادة ‏{‏بل ادارك علمهم في الآخرة‏}‏ يعني بجهلهم بربهم، يقول‏:‏ لم ينفذ لهم علم في الآخرة، هذا قول، وقال ابن جريج عن ابن عباس ‏{‏بل ادارك علمهم في الآخرة‏}‏ حين لم ينفع العلم، وبه قال عطاء والسدي‏:‏ أن علمهم إنما يدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين‏}‏، وكان الحسن يقرأ ‏{‏بل أدرك علمهم‏}‏‏:‏ قال اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل هم في شك منها‏}‏ عائد على الجنس والمراد الكافرون، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا‏}‏ أي الكافرون منكم، وهكذا قال ههنا‏:‏ ‏{‏بل هم في شك منها‏}‏ أي شاكون في وجودها ووقوعها، ‏{‏بل هم منها عمون‏}‏ أي في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها‏.‏

 الآية رقم ‏(‏67 ‏:‏ 70‏)‏

{‏ وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون ‏.‏ لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ‏.‏ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ‏.‏ ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون ‏}

يقول تعالى مخبراً عن منكري البعث من المشركين، أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظاماً ورفاتاً وتراباً، ثم قال‏:‏ ‏{‏لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل‏}‏ أي ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا ولا نرى له حقيقة ولا وقوعاً، وقولهم‏:‏ ‏{‏إن هذا إلا أساطير الأولين‏}‏ يعنون ما هذا الوعد بإعادة الأبدان ‏{‏إلا أساطير الأولين‏}‏ أي أخذه قوم عمن قبلهم من كتب، يتلقاه بعض عن بعض وليس له حقيقة، قال اللّه تعالى مجيباً لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهؤلاء ‏{‏سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين‏}‏ أي المكذبين بالرسل وبما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نقمة اللّه وعذابه ونكاله، ونجى اللّه من بينهم رسله الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين‏؟‏ فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته، ثم قال تعالى مسلياً لنبيه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ولا تحزن عليهم‏}‏ أي المكذبين بما جئت به ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات، ‏{‏ولا تكن في ضيق مما يمكرون‏}‏ أي في كيدك ورد ما جئت به، فإن اللّه مؤيدك وناصرك، ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب‏.‏

 الآية رقم ‏(‏71 ‏:‏ 75‏)‏

{‏ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ‏.‏ قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ‏.‏ وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ‏.‏ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ‏.‏ وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ‏}

يقول تعالى مخبراً عن المشركين في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك، ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏‏؟‏ قال اللّه تعالى مجيباً لهم‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد ‏{‏عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أن يكون قرب أو أن يقرب لكم بعض الذي تستعجلون، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون متى هو‏؟‏ قل عسى أن يكون قريبا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ويستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين‏}‏، وإنما دخلت اللام في قوله‏:‏ ‏{‏ردف لكم‏}‏ لأنه ضمنّ معنى عجّل لكم، كما قال مجاهد في رواية عنه ‏{‏عسى أن يكون ردف لكم‏}‏ عُجّل لكم‏.‏ ثم قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وإن ربك لذو فضل على الناس‏}‏ أي في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، ‏{‏وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون‏}‏ أي يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، ‏{‏سواء منكم من أسر القول ومن جهر به‏}‏، ‏{‏يعلم السر وأخفى‏}‏، ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السماوات والأرض وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما من غائبة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني وما من شيء ‏{‏في السماء والأرض إلا في كتاب مبين‏}‏، وهذه كقوله‏:‏ ‏{‏ألم تعلم أن اللّه يعلم ما في السماوات والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على اللّه يسير‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏76 ‏:‏ 81‏)‏

{‏ إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ‏.‏ وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ‏.‏ إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم ‏.‏ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ‏.‏ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ‏.‏وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ‏}

يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان، أنه يقص على بني إسرائيل وهم حملة التوراة والإنجيل ‏{‏اكثر الذي هم فيه يختلفون‏}‏ كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، فاليهود افتروا والنصارى غلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل أنه عبد من عباد اللّه وأنبيائه ورسله الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين‏}‏ أي هدى لقلوب المؤمنين به ورحمة لهم، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن ربك يقضي بينهم‏}‏ أي يوم القيامة ‏{‏بحكمه وهو العزيز‏}‏ أي في انتقامه ‏{‏العليم‏}‏ بأفعال عباده وأقوالهم ‏{‏فتوكل على اللّه‏}‏ أي في جميع أمورك وبلغ رسالة ربك، ‏{‏إنك على الحق المبين‏}‏ أي أنت على الحق المبين وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليه الشقاوة، وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنك لا تسمع الموتى‏}‏ أي لا تسمعهم شيئاً ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة وفي آذانهم وقر الكفر، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم * إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون‏}‏ أي إنما يستجيب لك من هو سميع بصير، السمع والبصر النافع في القلب، الخاضع للّه ولما جاء عنه على ألسنة الرسل عليهم السلام‏.‏

 الآية رقم ‏(‏82‏)‏

{‏ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ‏}

هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر اللّه وتبديلهم دين الحق، يخرج اللّه لهم دابة من الأرض‏.‏ قيل‏:‏ من مكة، وقيل من غيرها كما سيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى، فتكلم الناس على ذلك، قال ابن عباس والحسن وقتادة‏:‏ تكلمهم كلاماً أي تخاطبهم مخاطبة، وقال عطاء الخراساني‏:‏ تكلمهم فتقول لهم‏:‏ إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، ويروى هذا عن علي واختاره ابن جرير وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة، فلنذكر منها ما تيسر واللّه المستعان روى الإمام أحمد‏:‏ عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال‏:‏ أشرف علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات‏:‏ طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم عليه السلام، والدجال، وثلاثة خسوف‏:‏ خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد ورواه كذلك مسلم وأهل السنن وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏"‏‏.‏ حديث آخر‏:‏ قال مسلم بن الحجاج عن عبد اللّه بن عمرو قال‏:‏ حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثاً لم أنسه بعد، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً‏)‏‏.‏ حديث آخر‏:‏ وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏بادروا بالأعمال ستاً‏:‏ طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة‏)‏، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام، فتخطم أنف الكافر بالعصا، وتجلي وجه المؤمن بالخاتم حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر‏)‏ ‏"‏أخرجه أبو داود الطيالسي بهذا اللفظ وأخرجه الإمام أحمد بمثله إلا أنه قال‏:‏ فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا حتى إن أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن، ويقول هذا يا كافر‏"‏‏.‏ وعن وهب بن منبه أنه حكى من كلام عزير عليه السلام أنه قال‏:‏ وتخرج من تحت سدوم دابة تكلم الناس كل يسمعها، وتضع الحبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أجاجاً ويتعادى الأخلاء وتحرق الحكمة ويرفع العلم وتكلم الأرض التي تليها، وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعبون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم وقد ورد في بعض الآثار أن الدابة تخرج من موضع بالبادية قريباً من مكة، ويروى عن ابن عباس أنها تخرج من بعض أودية تهامة، وعن ابن مسعود‏:‏ أنها تخرج من صدع بالصفا‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏83 ‏:‏ 86‏)‏

{‏ ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ‏.‏ حتى إذا جاؤوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون ‏.‏ ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ‏.‏ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ‏}

يقول تعالى مخبراً عن يوم القيامة، وحشر الظالمين من المكذبين بآيات اللّه ورسله، ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعاً وتصغيراً وتحقيراً، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم نحشر من كل أمة فوجا‏}‏ أي من كل قوم وقرن فوجاً أي جماعة ‏{‏ممن يكذب بآياتنا‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏احشروا الذين ظلموا وأزواجهم‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهم يوزعون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يدفعون، وقال قتادة‏:‏ يرد أولهم على آخرهم، وقال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ يساقون ‏{‏حتى إذا جاءوا‏}‏ ووقفوا بين يدي اللّه عزَّ وجلَّ في مقام المساءلة ‏{‏قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون‏}‏ أي فيسألون عن اعتقادهم وأعمالهم، فلما لم يكونوا من أهل السعادة وكانوا كما قال اللّه عنهم، ‏{‏فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى‏}‏ فحينئذ قامت عليهم الحجة ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون‏}‏ الآية، وهكذا قال ههنا ‏{‏ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون‏}‏ أي بهتوا فلم يكن لهم جواب، لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا إلى علام الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية، ثم قال تعالى منبهاً على قدرته التامة وسلطانه العظيم وشأنه الرفيع‏:‏ ‏{‏ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه‏}‏ أي في ظلام الليل لتسكن حركاتهم بسببه وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نصب التعب في نهارهم ‏{‏والنهار مبصرا‏}‏ أي منيراً مشرقاً، فسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها ‏{‏إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏87 ‏:‏ 90‏)‏

{‏ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ‏.‏ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون ‏.‏ من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ‏.‏ ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ‏}

يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور، وفي حديث الصور‏:‏ إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر اللّه تعالى، فينفخ فيه أولاً نفخة الفزع، ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء، فيفزع من في السماوات ومن في الأرض ‏{‏إلا من شاء اللّه‏}‏ وهم الشهداء فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وفي حديث مسلم الطويل قال‏:‏ ‏(‏فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول‏:‏ ألا تستجيبون‏؟‏ فيقولون‏:‏ فما تأمرنا‏؟‏ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌّ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا‏.‏ قال - وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال‏:‏ فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل اللّه - أو قال ينزل اللّه - مطراً كأنه الطل - أو قال الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ نفخة أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال‏:‏ يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ‏{‏وقفوهم إنهم مسؤولون‏}‏ ثم يقال‏:‏ أخرجوا بعث النار‏.‏ فيقال‏:‏ من كم‏؟‏ فيقال‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون قال‏:‏ فذلك يوم يجعل الولدان شيباً وذلك يوم يكشف عن ساق‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو بطوله، وهذا جزء من الحديث الصحيح‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا‏.‏ الليت هو صفحة العنق أي أمال عنقه ليستمعه من السماء جيداً، فهذه نفخة الفزع ثم بعد ذلك نفخة الصعق وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين وهو النشور من القبور لجميع الخلائق، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكل أتوه داخرين‏}‏ أي صاغرين مطيعين لا يتخلف أحد عن أمره كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده‏}‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون‏}‏ وفي حديث الصور‏:‏ أنه في النفخة الثالثة يأمر اللّه الأرواح فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح تتوهج، أرواح المؤمنين نوراً، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقول اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها، فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ، ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب‏}‏ أي تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب أي تزول عن أماكنها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم تمور السماء مورا * وتسير الجبال سيرا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏صنع اللّه الذي أتقن كل شيء‏}‏ أي يفعل ذلك بقدرته العظيمة ‏{‏الذي أتقن كل شيء‏}‏ أي أتقن كل ما خلق وأودع فيه من الحكمة ما أودع، ‏{‏إنه خبير بما يفعلون‏}‏ أي هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر وسيجازيهم عليه أتم الجزاء‏.‏ ثم بيَّن تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ فقال‏:‏ ‏{‏من جاء بالحسنة فله خير منها‏}‏، قال قتادة‏:‏ بالإخلاص، وقال زين العابدين‏:‏ هي لا إله إلا اللّه‏.‏ وقد بين تعالى في الموضع الآخر أن له عشر أمثالها ‏{‏وهم من فزع يومئذ آمنون‏}‏، كما قال في الآية الأخرة‏:‏ ‏{‏لا يحزنهم الفزع الأكبر‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وهم في الغرفات آمنون‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار‏}‏ أي من لقي اللّه مسيئاً لا حسنة له أو قد رجحت سيئاته على حسناته كل بحسبه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏هل تجزون إلا ما كنتم تعملون‏}‏‏.‏ وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك والحسن وقتادة في قوله‏:‏ ‏{‏ومن جاء بالسيئة‏}‏‏:‏ يعني بالشرك‏.‏

 الآية رقم ‏(‏91 ‏:‏ 93‏)‏

{‏ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين ‏.‏ وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين ‏.‏ وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون ‏}

يقول تعالى مخبراً رسوله وآمراً له أن يقول‏:‏ ‏{‏إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء‏}‏ وإضافة الربيوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذي حرمها‏}‏ أي الذي إنما صارت حراماً شرعاً وقدراً بتحريمه لها كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس، قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة‏:‏ ‏(‏إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، ولا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا تختلى خلاه‏)‏ الحديث بتمامه‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله كل شيء‏}‏ من باب عطف العام على الخاص أي هو رب هذه البلدة ورب كل شيء وملكيه لا إله إلا هو، ‏{‏وأمرت أن أكون من المسلمين‏}‏ أي الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له، وقوله‏:‏ ‏{‏وأن أتلو القرآن‏}‏ أي على الناس أبلغهم إياه، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم‏}‏، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق‏}‏ الآية، أي أنا مبلغ ومنذر، ‏{‏فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين‏}‏ أي لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏إنما أنت نذير واللّه على كل شيء وكيل‏}‏، ‏{‏وقل الحمد للّه سيريكم آياته فتعرفونها‏}‏ أي للّه الحمد الذي لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏سيريكم آياته فتعرفونها‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق‏}‏، وقوله تعالى ‏{‏وما ربك بغافل عما تعملون‏}‏ أي بل هو شهيد على كل شيء‏.‏

عن عمر بن عبد العزيز قال‏:‏ لو كان اللّه مُغْفلاً شيئاً لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين‏:‏

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل * خلوت وكن قل عليّ رقيب

ولا تحسبن اللّه يغفل ساعة * ولا أن ما يخفى، عليه يغيب‏.‏